مقالات مختارة

2026 قبل الميلاد

عمار يزلي
منصات التواصل
منصات التواصل
شارك الخبر
مع بداية هذه السنة، تبدأ عجلة التاريخ في الدوران باتجاه عكس عقارب الساعة. هذا على الأقل ما يمكن أن يخرج به أي مواطن عادي، من دون تحليل ولا تمحيص ولا حتى فلسفة تاريخ.

عالميا، العالم يتغير نتيجة تغيير الولايات المتحدة لعقيدتها الأمنية، ويتغير أيضا نتيجة لتهور ساسة ضعاف في الغرب، يدفعون باتجاه عسكرة العالم والاقتصاد والتحضير للحرب.

هذا فيما تتوالى التهديدات في كل الاتجاهات ضد عواصم ودول لم ترغب أو ترفض اليوم الانصياع لقانون القوة الوحيدة في العالم التي تتصرَّف خارج القانون الدولي بشكل غير مسبوق، إلا في حالات نادرة، كما حدث مع رئيس بنما.

تغييرُ الولايات المتحدة لعقيدتها الأمنية، مع ترمب، بدت شكليًّا في تغيير اسم ولقب البنتاغون، وتغيير وزارة الدفاع من الدفاع إلى الهجوم، وصارت تسمى “وزارة الحرب”، وأعلنت أنها ستخوض “الحروب من أجل تحقيق السلام”.

هذه المعادلة المتناقضة، بدأتها في غزة ولبنان واليمن وسوريا، استكمالا لما دشَّنه ديك تشيني وبوش الابن قبل ثلاثة عقود في العراق: النفط هو العنوان الضمني لكل حروب الولايات المتحدة، منذ سقوط حكومة الشاه في إيران ولإطاحة بمصدَّق، ثم الإطاحة بكل الأنظمة “الشمولية” و”غير الديمقراطية” و”الاستبدادية” كما سمَّتها الآلة الإعلامية الحربية الأمريكية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية: تركّز التدخل أولا في المحيط القريب، في دول أمريكا اللاتينية وحطمت كل البؤر اليسارية تقريبا فيها ولم يبق إلا بعضها، التي سرعان ما أسقِطت، ولكنها عادت لتحيا من جديد.

الأنظمة قد تزول بزوال قدرتها على المضيِّ في السلطة نتيجة استعمال القوة الغاشمة أو الحصار الاقتصادي والتجويع لدفع الشعب إلى التظاهر وإسقاط الأنظمة من الداخل، كما فعلت وتفعل الولايات المتحدة إلى اليوم، ولكن اليسار ورفض العمالة للغرب وللرأسمالية العالمية والاستعمار، هو نهجٌ تاريخي لا يمكن قتله ولا دفنه، وعلى العكس تماما، كلما جُزَّ العشب والشجر زادت الفروع في البروز والنماء: العدالة العرجاء وتقوية الغني على حساب الفقير وتغذية الفوارق الطبقية هي التي تعيد الكرَّة من جديد إلى الواجهة وتُبقي وهج النهج اليساري متقدا، على الرغم من تراجع هذا التيار الذي بدأ، اسما على الأقل، من كمونة باريس والثورة الفرنسية، كتيار ثائر رافض للوضع القائم مطالب بالتغيير.
لن يكون أحدٌ بمنأى عما جرى في فنزويلا، بل وسيعطي هذا “الحق” الباطل، الذرائع لكل القوى العالمية الأخرى

العالمُ يتجه إلى صراع قد يكون مدمرا وغير مسبوق، ويبدأ العالم في التآكل على حساب ضوابط القانون الدولي والأعراف الدولية، ويصبح النزوع للقوة، والردع نزعة وجودية للدول والأنظمة، ويعاد تاريخ السِّباق نحو التسلح وسياسة التحالفات والتحالفات المضادة، ويبدأ العالم في الانحدار التصادمي الذي سيقضي على كل أمل عالمي في السلم والعدل والمساواة أمام القانون: هذه القاعدة التي تأسست عقب نهاية حقبة “عصبة الأمم”، المنبثقة أصلا عن حربين عالميتين فجَّرهما الغرب ضد الغرب، رغم أنه هو من نادى أصلا خلال قرن الأنوار بعكس ذلك.

لن يكون أحدٌ بمنأى عما جرى في فنزويلا، بل وسيعطي هذا “الحق” الباطل، الذرائع لكل القوى العالمية الأخرى، سواء تلك المتغطرسة المحتلة، كما هو الشأن مع الكيان، أم مع قوى عالمية نووية، كروسيا والصين، أم حتى دول ومحميات اقتصادية أو دويلات، للخروج عن القواعد، مادامت القوة العظمى قد سنَّتها وحللتها على نفسها ولو حرَّمتها على الآخرين، فهذا لن يُبقي الجميع صامتين، مما يمهِّد لحالة فوضى لا يمكن التحكُّمُ فيها حتى ولو تدخَّلت القوى العظمى لمنع انتشار عدوى الاعتداءات والاحتلال وفرض القواعد خارج الأعراف والعودة إلى قواعد ما قبل الميلاد.

الشروق الجزائرية
التعليقات (0)

خبر عاجل