عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: وأيّا كان موقفنا من هذه الرحلة وصاحبها، ورأينا في جهاده الناضح بالصدق؛ فستتجلَّى لنا في غمارها هيمنة الرؤية الكونيَّة للإسلام، وذلك بوصفها طريقا ثالثا بين طريقي الشرق والغرب؛ طريقٌ ينضح فيه تأويله الحداثي للإسلام بجمعه "التلفيقي" بين التقاليد المتضادة
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: تشكَّل علي عزَّتبيغوڤيتش ووعيه، بوصفه جزءا لا يتجزأ من هذا "التوتُّر الإصلاحي" داخل المشهد الإسلامي البوشناقي، بل والمشهد الأممي. وهو مشهد تشكَّل من شدٍّ وجذب بين القوى والفاعلين، المختلفين في تأويلاتهم وخلفياتهم وإن كانوا جميعا يَعُدون الإسلام مُنطلَقَهم. وقد أفرز هذا التوتُّر دوريات وجرائد وصحف عبَّرت عنه، وقدَّمت الإسلام بوصفه وحيا أخلاقيّا فعالا ومصفوفة "نهضة ثقافية" للبوشناق. وربما كانت هذه التركيبة هي التي جعلت لإقبال اللاهوري القدح المُعلَّى، لا في إمداد هذا الرافد القديم فحسب؛ بل في صياغة سقف المخيلة السياسيَّة وتشكيل أفق المثال الذي سعى إليه عزَّتبيغوڤيتش بعدها، ربما بغير وعي كامل
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: إذا كانت الرؤية الكاثوليكيَّة -ومثلها النحل والأديان الشرقيَّة الآسيويَّة- تُرسخ تصورا للخلاص الفردي المجرَّد، وتُخالفها اليهودية والبروتستنتية بانتظارها لـ"تمكين" جمعي أو فردي حتمي؛ فإن الإسلام "وسطٌ" ما بين الرؤيتين، إذ يُرسخ خلاصا فرديّا في إطار خلاص اجتماعي، مع فتح الأفق لإمكان تنزُّل "مِنَّة" إلهيَّة بتمكين للدين على يد بعض دُعاته المجاهدين، كما أسلفنا. ولهذا، فالمكلَّف مسؤول يسعى للخلاص في الدنيا وفي الآخرة، أما صاحب الحقوق الطوباوية فمتألّه لا يرى نفسه إلا مركزا للكون؛ يسعى لبناء فردوس أرضي ليتحصَّل فيه على "حقوقه" المادية اللانهائيَّة
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: نيل العوائد الماديَّة أو أسبابها؛ فهو ليس تمكينا، وإنما هو النتيجة المقدورة في نواميس الله لكل من سعى في الأرض واجتهد في أسبابها. وهاهُنا أيضا يفترق مفهوم "عمارة الأرض" عمَّا شاع بسبب هؤلاء المشوَّشين؛ فإن المكلَّف المخلص هو الذي استُخلف واستُعمِر لأنه مؤمن قادر على الانسجام بحركته العابدة مع الكون العابد المهيأ بالقهر، وتعميره بالعبادة مُختارا. فليست عمارة الأرض ها هنا هي اتخاذ المصانع والمعابد والمساكن الفخمة، وإنما هي استكمال "معزوفة" العبادة التي قُهِرَ عليها الكون كله، بعبادة المكلَّف مُختارا مُريدا؛ فهذا السعي المخلص للخلاص هو وحده الذي يرفع قدر الإنسان، ليصير مُعمرا للأرض قائما بواجب الاستخلاف فيها
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: هذه الخبرات أو المكابدات الخمس تُبلور في نفسك قوَّة روحيَّة، وبأسا نفسيّا، وحدَّة عقليَّة؛ لا يمكن ادعاؤها أو تزييفها أو التظاهُر بها
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: هذه المكابدة ليست موافقة إجمالا للنواميس الإلهية فحسب، بل هي أولا وقبل كل شيء مُفصَّلةٌ على مقاس إنسانيَّة ابن آدم وخصاله المركبة، ومجعولة له جعلا؛ فإنه الكائن الوحيد المكلَّف المفطور على الاختيار، وعلى مكابدة خياراته، ومكابدة وجوده كله -نتيجة هذه الحريَّة- لهذا كانت المكابدة ناموسا لتحقُّق إنسانية الإنسان أولا، ثم لاكتمال إيمانه، وأخيرا لاتساقه مع فلسفة التاريخ الإنساني الموافقة لتركيبه وإيمانه
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: الاكتساب الحقيقي النافع للمهارات والأدوات لا يكون -في الأغلب- مُصادفة قدريَّة، ولا يقع اتفاقا بغير قصد مُسبَق، أو جهد منظَّم، ولا يحدُث أصلا بسبب جمع المعلومات الجزئية مجردة، ومراكمتها؛ وإنما هو حصيلة عمليَّة طويلة ومستمرة من التعلُّم بالتجربة والخطأ في إطار رؤية كليَّة جامعة، وحصيلة صيرورة منهكة من الخبرة، فيها قدر من الاطراد والانتظام، بل وحد أدنى من الانضباط في مسيرة تعلُّم تسمح بمراكمة الخبرة، والتعلُّم من الأخطاء، وتصحيحها
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: بدأ انتباهنا إلى هذا "الانبعاث الباطني" الحديث بالتزامُن مع سقوط النظام البعثي في سوريا، فلا نستطيع الجزم بحجمه قبلها، إذ من البدهي وجود هذه الفرق في كل وقت، وإنما نسعى لتفسير التزايُد الحالي في مُعدلات نشاطها لا نشأتها. وهو انبعاثٌ مُطَّرد عبر قنوات إلكترونيَّة على منصَّات "افتراضيَّة" شتى، يغلِب عليه الخطاب العلوي/ النُّصيري وإن كان يستعمل الديباجات الدُّرزيَّة أحيانا، وبعض اصطلاحات الفرق الباطنيَّة الأخرى بمعدَّل أقل
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: نسقٌ يختلفُ عن أنساق علم الكلام، وإن استمدَّت منه الأخيرة تقريراتها ومُسلَّماتها وأكثر أدواتها، أما علم الكلام، فرغم أنه يستمد جمهرة تقريراته ومُسلّماته وأدواته من القرآن؛ فإنه لا يُحاجج عن هذا الظاهر المتعبَّد به فحسب، وإنما عن بعض ما "استُنبط" من باطن معناه اعتسافا في تأويلات شتى تُحمَل عليها آي الكتاب، ثم يروح يذود عن هذا التأول البشري، لا عن المحكَم الإلهي
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: الأحكام والتشريعات التي تحويها هذه الأسفار القرآنيَّة المهيمنة، مثل قواعد المعاملات الماليَّة، وحدود المحرَّمات من الأطعمة والنساء، ومبادئ بناء عدل دنيوي نسبي، وآليات تحقيق هذه المنظومة عبر التقاضي والإشهاد، بل والإجراءات الجنائية؛ تظلُّ هي وغيرها محض مرآة برانية تُعبِّرُ عن شبكة علاقات اجتماعيَّة قوامها تربية جوانية مخصوصة، وتوجُّهٌ بالجواني والبراني معا إلى اليوم اﻵخر
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: ابتغاء الأوجه الجماليَّة والبلاغيَّة والفنيَّة في القرآن، إنما هو عرضٌ جانبي ومحصِّلة ثانوية ينالها المؤمن الذي يتوجَّه إلى كتاب ربه -ابتداء- طلبا للهداية في أمره كله، وفي إصلاح شأنه كله؛ فإنما ينال هذه الأغراض كافَّة بالتبعيَّة، ومعها كل الفوائد الصحيَّة والتغذوية والوقائيَّة من السحر والمس والجن والمرض.. إلخ. لكنَّ هذه الأغراض والمطالب "الدنيويَّة" كلها لا ينبغي أبدا أن تكون أولويَّة المؤمن الناشر لكتاب ربه يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، وإنما يتعيَّن على المؤمن أن يكون توجُّهه للكتاب الكريم مُلتزما بالغرض الأساس الذي أنزله الله له
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: أصل الأفغاني وخلفيته ليست بسرّ مخز ولا هي بالمؤامرة الخبيثة التي يجب سبر أغوارها؛ فهو أمرٌ يُمكن حمله على وجوه كثيرة، نحاول في كتاباتنا تبيُّن بعضها، بيد أن المهم هو أنه لن يُغيِّر شيئا عند المسلم الذي يعرف الرجال بالحق، ولا يحاول تبيُّن الحق بالرجال.
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: السيد نفسه للأفغان، وهي الأشهر فيما استعمله من ألقاب؛ رجحت على ما عداها لأن النموذج النفسي والأخلاقي الذي رسمه لهم في كتابه: "تتمة البيان في تاريخ الأفغان"، لحض المصريين على مجاهدة البريطانيين؛ هو النموذج الذي يرتضيه لأمم الإسلام في مواجهة المعتدين
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: يتكشَّف لنا الكثير؛ سواء عن السياق التاريخي العام، أو عن ملامح النهج الدعوي الذي التزمه جمال الدين إبَّان تجواله في ديار الإسلام، وتصوراته العامَّة، وأسلوبه، وكيفيَّة نفاذه إلى أغراضه.
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: أي باحث متوسط الموهبة في العلوم الإنسانية؛ يَعرِفُ أن اللغة والفكر صنوان لا يفترقان، بل إن اللغة هي نفسها أحد آفاق الفكر ومُحدِّداته
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: في حين وَظَّف شريعتي الديالكتيك مُحاولا الخروج من الأزمة بأداة نقديَّة حديثة، فإن فاضل قد أذعَنَ لمبدأ "الحوار"، واعتبرهُ مفتاح الخلاص من كل الشرور، بل كان الأخطر من ذلك أنه اعتبر هذا "الديالكتيك" المُدجَّن أداة لبلوغ "الحق"، في تَجلٍّ شنيعٍ لهيمنة الروح النظريَّة للماديَّة الجدليَّة عليه هيمنة كاملة، ربما بغير أن يدري!