قضايا وآراء

أفكار حول "الشَّعبوية" في تونس

عادل بن عبد الله
"نحن هنا أمام سردية سياسية يكون التفويض الشعبي فيها مطلقا ونهائيا، مما ينفي أي إمكانية لتغير الإرادة الشعبية أو سحب التفويض"- جيتي
"نحن هنا أمام سردية سياسية يكون التفويض الشعبي فيها مطلقا ونهائيا، مما ينفي أي إمكانية لتغير الإرادة الشعبية أو سحب التفويض"- جيتي
شارك الخبر
رغم أن مفهوم "الشعبوية" لم يكن من المفاهيم المهمة في السجال العمومي زمن "عشرية الانتقال الديمقراطي"، فإنه قد أصبح أحد المفاهيم الأساسية في الجُمل السياسية للمعارضة بعد إجراءات 25 تموز/ يوليو 2021، وأساسا بعد أن استيأست أغلب النخب "الحداثية" من أن تكون شريكا في هندسة المشهد الجديد الذي حيّد عدوها الوجودي -أي حركة النهضة- ودفع به خارج المشهد السياسي وحوّله إلى "ملف" أمني-قضائي. فقد أكّد "تصحيح المسار" أنه يشتغل بمنطق البديل لا بمنطق الشريك حتى لأولئك الذين أعدّوا له الشروط الفكرية والموضوعية للنجاح، ثم دعموه في مراحله الأولى بمنطق "الموالاة النقدية" من لدن العديد من الأحزاب والتنظيمات، أو بمنطق الانخراط الفردي للكثير من المنتسبين إلى "العائلة الديمقراطية" في البرلمان الجديد بغرفتيه، وكذلك عبر شرعنة النظام الجديد والدفاع عن خياراته في وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي.

إن وصم المنظومة الحاكمة الجديدة بـ"الشعبوية" لا ينفصل عن انكسار وضعية "التعامد الوظيفي" بين النظام من جهة وبين أذرعه الوظيفية، بأحزابها ونقاباتها ومجتمعها المدني، من جهة ثانية. فقد أظهرت السلطة -خاصة بعد الأمر الرئاسي عدد 117 المؤرخ في 22 أيلول/ سبتمبر 2021- أنها تنوي تحويل حالة الاستثناء المؤقتة إلى مرحلة تمهّد لتأسيس "الجمهورية الجديدة" التي لا اعتراف فيها بالانقسام الاجتماعي ولا بتعددية التمثيل الشعبي، كما أثبتت -من خلال رفض كل دعوات الحوار الصادرة من حلفائها الموضوعيين- أنّ مشكلتها ليست حركة النهضة فحسب، وإنما الديمقراطية التمثيلية وكل أجسامها الوسيطة باعتبارها "خطرا جاثما" يستدعي "التأسيس الثوري الجديد" الذي ينفي الحاجة إليها.

وصم المنظومة الحاكمة الجديدة بـ"الشعبوية" لا ينفصل عن انكسار وضعية "التعامد الوظيفي" بين النظام من جهة وبين أذرعه الوظيفية، بأحزابها ونقاباتها ومجتمعها المدني، من جهة ثانية

ومن باب الإنصاف، فإننا نُذكّر بأن الرئيس قيس سعيد لم يخف مشروعه السياسي خلال حملته الانتخابية، ولم ينكر أنه سيغير القانون الانتخابي القائم، بل لم يتردد في التبشير بنهاية زمن الأحزاب. وهو أمر لم يحمله أي فاعل جماعي خلال "العشرية" على محمل الجد -لأسباب معقدة يختلط فيها سوء التقدير السياسي مع غلبة مصفوفات المشاعر والقضايا الصغرى- فكان عاقبة أمرهم ما نرى.

بعيدا عن السجالات النظرية بين علماء السياسة والاجتماع السياسي وغيرهما، فإن الشعبوية في أبسط تعريفاتها هي تلك الأيديولوجيا التي تقيم علاقة عدائية بين الشعب الخيّر والنخبة الشريرة، وهي أيديولوجيا ضعيفة التمركز، بحكم خوائها النظري وسطحية الحلول التي تقدمها. وتحتاج هذه الأيديولوجيا إلى "نخب" من السياسيين الشعبويين الذين لا يُقدّمون أنفسهم باعتبارهم نخبا بديلة أو جهاز سلطة منفصلا عن الشعب، بقدر ما يحرصون على أن يكتسبوا شرعيتهم من كونهم ممثلين حصريين للشعب وناطقين باسم إرادته الحرة وغير المتلاعب بها من طرف "النخب".

وتحتاج الشعبوية إلى "زعيم" يكون هو رمز السلطة ومركزها، كما يكون هو صوت الشعب وضميره. ونحن هنا أمام سردية سياسية يكون "التفويض الشعبي" فيها مطلقا ونهائيا، مما ينفي أي إمكانية لتغير الإرادة الشعبية أو سحب التفويض. فلمّا كان "الزعيم" هو ممثل الإرادة الشعبية "الخيّرة" فإنه لا يمكن أن يخطئ أو يخون تلك الإرادة ولا تكون منازعته إلا منازعة للإرادة الشعبية، فكل انحراف سلطوي أو فساد إداري مردود إلى سواه ممن قد يخونون "الأمانة"، وهو ما يستوجب تغييرهم أو محاسبتهم دون تحميل "الزعيم" أية مسؤولية سياسية أو أخلاقية. أما معارضوه فإنهم لا يعارضون سلطته بل يعارضون مصدرها -أي "الشعب المتخيل" في السردية الشعبوية- ولذلك فإنهم خونة ومتآمرون على الشعب قبل السلطة وزعميها.

انطلاقا من النموذج التفسيري للشعبوية أعلاه، فإن إفراد النظام الحالي بها هو أمر مجانب للصواب. ذلك أن السردية السياسية المؤسسة للدولة-الأم، (أي البورقيبية، تلك السردية التي تم استصحابها بعد الثورة باعتبارها "الخطاب الكبير" للمرحلة التأسيسية، أي الخطاب الذي تكتسب السرديات السياسية المتنافسة على إدارة الشأن العام شرعيتها كلما اقتربت منه وتفقد تلك الشرعية كلما ابتعدت عنه) لم تكن في جوهرها إلا سردية شعبوية. وقد يعترض علينا معترض بأن البورقيبية لم تقم على أساس التقابل بين الشعب والنخبة، بل هي قد انبنت أساسا بجهود النخب الحداثية. ولكنّ هذا الاعتراض مردود إذا ما تحررنا قليلا من السرديات الحداثوية التي تحصر مفهوم النخبة في مكوّناتها. فالبورقيبية قامت على نخب بلا عمق شعبي أو تاريخي، واستهدفت النخب التقليدية/ الزيتونية باعتبارها نخبا متخلفة أو فاسدة أو غير وظيفية في مشروع الدولة-الأمة. كما أنّ البورقيبية قامت على رفض تعدد الشرعيات واحتكرت السلطة وهندسة المجال العام تحت هيمنة الثالوث الذي انتقده الراحل محمد أركون: الزعيم-الحزب-الوطن.

ولا ننسى أيضا أن البورقيبية -باعتبارها أيديولوجيا تحديث فوقي- قامت بإعادة هندسة المجتمع وضرب مؤسساته ومنظوماته القيمية والفكرية التقليدية بشعارات "وطنية" و"عقلانية" و"تحررية"، وهي شعارات نجحت في ضرب "العروشية" و"القبلية"، ولكنها أسست للدولة الجهوية-الريعية-الزبونية باعتبارها دولة الاستعمار الداخلي أو الاستعمار الجديد، كما نجحت البورقيبية في تحييد الدين ومقولاته عن التشريع (الحلال/الحرام.. الخ)، ولكنها فشلت في بناء نظام تشريعي يقوم على أساس القانوني/ غير القانوني.

صراع البورقيبية وكل السرديات السياسية المرتبطة بها ضد الإسلام السياسي (أي ما يُتمثل باعتباره مشروعا لدولة "ما قبل المواطنة") هو في جوهره صراع بين مشروع "الاستعمار الجديد" وبين مشروع سياسي بخلفية إسلامية طائفية يرى سقفه أن يكون جزءا معترفا به ومطبّعا معه في ذلك المشروع

لقد نجحت البورقيبية باعتبارها سردية شعبوية في علمنة مفهوم "الرعية" التراثي، ولكنها لم تنجح في الخروج من روح الاستعارة الرعوية وعلاقاتها الاجتماعية اللامتكائفة. وهو ما جعلها تفشل في بناء مجتمع "المواطنة التامة"، وظلت تتحرك في إطار مجتمع "المواطنة المشروطة" (مواطنة مشروطة بالولاء وبالانتماء الأيديولوجي والجهوي)، ومجتمع "ما دون المواطنة" (فقدان معظم الحقوق الفردية والجماعية لأسباب سياسية أو أيديولوجية أو حتى جهوية). ولذلك فإن صراع البورقيبية وكل السرديات السياسية المرتبطة بها ضد الإسلام السياسي (أي ما يُتمثل باعتباره مشروعا لدولة "ما قبل المواطنة") هو في جوهره صراع بين مشروع "الاستعمار الجديد" وبين مشروع سياسي بخلفية إسلامية طائفية يرى سقفه أن يكون جزءا معترفا به ومطبّعا معه في ذلك المشروع، أي أن يكون وكيلا جديدا في مشروع إعادة إنتاج شروط التبعية والتخلف والتفاوت الاجتماعي والتهميش الجهوي.

رغم أننا نسلّم بصحة وصم النخب الحداثية التونسية للسردية السلطوية بـ"الشعبوية"، فإننا نرى أن هذا الوصم يقوم على مغالطتين أو يحجب حقيقتين: أولا، لا يمكن لأي سردية سياسية تعترف بالبورقيبية باعتبارها "الخطاب الكبير" أو السردية الوطنية الجامعة إلا أن تكون سردية شعبوية مهما كانت خلفيتها الأيديولوجية الأصلية، وهو ما يصح على السرديات الكبرى الحداثية قبل غيرها بحكم أصولها النظرية القائمة على عبادة الزعيم وعلى "الحزب الطليعي"، وعلى تسفيه الإرادة الشعبية وعلى رفض الاعتراف بتعدد الشرعيات الممثلة لعموم المواطنين، خاصة شرعية الإسلاميين باعتبارهم معبّرين عن المصالح المادية والرمزية لجزء من الشعب الحقيقي لا المتخيل؛ ثانيا، لا يمكن لسردية تعتبر أن شعبوية السلطة تأتي من استهدافها للنخب الحداثية دون غيرها؛ أن تكون سردية غير شعبوية هي ذاتها.

فحصر "النخب" في أصحاب سرديات سياسية معينة يجعل من أي انتقاد لشعبوية السلطة مجرد مزايدة خطابية لا تعكس أي تحول حقيقي في آليات التفكير في بناء المشترك المواطني بعيدا عن منطقي الاستعلاء والإقصاء. ولو شئنا صياغة المسألة في صورة مجردة لقلنا بأن شرط تجاوز "الشَّعبوية" فكريا ومؤسسيا هو التحرر من تراث "الشُّعبوية" (نسبة إلى الشُّعبة باعتبارها أداة هيمنة ورقابة حزبية وشبه أمنية في خدمة "الزعيم" ونظامه)، أي التجاوز الجدلي للبورقيبية باعتبارها أداة تحرير من الاستعمار المباشر، وفي الوقت نفسه أيديولوجيا منظومة الاستعمار الداخلي قبل الثورة وبعدها.

x.com/adel_arabi21
التعليقات (0)

خبر عاجل