أفكار

الفكر العربي المعاصر وقراءة التراث.. الجدل المستمر

أحمد القاسمي الثلاثاء، 22 نوفمبر 2022 08:05 ص

الكتاب: "التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر العربي المعاصر"

الكاتب: سلطان بن عبد الرحمن العميري
الناشر: مركز التأصيل للدراسات والبحوث، جدة- السعودية، ط1 2010
عدد الصفحات: 334 صفحة


الموقف من التراث هو في جلية الأمر موقف مما يجب أن يكون عليه الحاضر والمستقبل لذلك سيظل مثارا للجدل طالما اختلفنا في الحلول المفترضة لقضايا الراهن. والتفكير فيه إذن عرض غير مباشر لموقفنا من الوجود ومن سبل الإقامة فيه. ولعلّ هذا ما دفع الباحث سلطان بن عبد الرحمان العميري إلى مجادلة منجز الفكر العربي المعاصر في ما يراه قضايا عقدية فُسرت تفسيرا خاطئا. فيعبّر عن مواقف رافضة لهذا المنجز "مصحّحة" له بجرأة ولكن بحماسة مفرطة أحيانا.

1 ـ تعامل الخطاب العربي المعاصر مع التراث: أزمة المنهج وإشكال الأخلاق 

يلاحظ الباحث سلطان بن عبد الرحمان العميري تكاثر الدراسات الفكرية التي عادت إلى التراث وتنوعها. ولكنه يجد أنها لم تصل جميعا، إلى هدفها وأنّ وضع الفكر العربي المعاصر "مزر". ويختزل تشخيصه في قول مبتسر لمحمد عابد الجابري في إشكاليات الفكر العربي فيه يقول "إن الخطاب العربي الحديث المعاصر لم يسجل أي تقدّم حقيقي في أية قضية من قضاياه منذ أن ظهر كخطاب يبشر بالنهضة ويدعو إليها". 

ويرد هذا الفشل إلى اختلالات خطيرة تشوب منهجه "المقترض" من مناهج الفكر الغربي الغريبة عن التراث. فقد "تهالك أقطاب الخطاب العربي المعاصر على النظريات الغربية، وتساقطوا عليها تساقط الفراش في النّار" وردوا ذلك وفقه إلى كونية الثقافة الغربية. ويجد في دعواهم هذه تمهيدا لهيمنتها على الفكر العالمي والعربي بالتبعية وإقرارا بفقر التراث من المقاربات الصالحة لدراسته. ويستنتج من ذلك أن هذا الخطاب يعيش حالة من الاغتراب تحوّله إلى خطاب إيديولوجي بامتياز.

ومن وجوه هذه الأزمة التعميم في النتائج والأحكام بإسقاط ما يصحّ على حالة بعينها أو على فترة التراث العربي بأسره وخفوت اللغة البرهانية من الفكر العربي لاستناده إلى المناهج التاريخية والاجتماعية وهي مناهج لا تهتم باللغة البرهانية وإنما بالتفسير والتحليل [هكذا]. ويصف هذه المقاربات المنهجية بـ"ـغياب الهم البنائي" و"الاختزالية الشديدة" و"الانعزالية البحثية". ويجد فيها شيئا من التعالي يجسده شيوع اللغة التهكمية التي تعكس الاستخفاف بالفكر الإسلامي وبالعلماء والفقهاء. ويتخذ من كتابات محمد أركون وعبد المجيد الشرفي ونصر حامد أبو زيد أمثلة لمناقشتها لبعض الأحكام الفقهية واتهامها لها بالتعسف على النصوص. وعليه يتهم المفكرين العرب بعدم الجدية والانضباط المنهجي و"متى كان الباحث مطلق القلم.. فهو في الحقيقة خائن لهذا الفكر".

2 ـ ما التفسير السياسي للقضايا العقدية؟

يجد صاحب الأثر أنّ أصحاب الفكر العربي المعاصر على اختلاف مقارباتهم يصادرون على أنّ "الفكر الإسلامي بجميع أطيافه كان ينطلق في بناء أصوله المعرفية ومواقفه العلمية من منطلقات سياسية لم يراع فيها المنطق الديني أو المعرفي، فالآراء التي قررت فيه هي في حقيقتها كانت آراء سياسية عُبر عنها بلغة دينية، وكذلك الحال في ظاهرة الفرق المنقسمة في الفكر الإسلامي. فهي في الحقيقة أحزاب سياسية تتصارع فيما بينها على السياسة ولكنها غلّبت الطابع الديني".  

ومن وجهة النّظر هذه فقد كانت القضايا العلمية التي خاض فيها الفكر الإسلامي أول نشأته بدافع سياسي والمنطق الذي كان يحكمها ويوجهها منطق سياسي أيضا. وهذا ما يقصده بالتفسير السياسي في تفكيرهم محاولا أن يجعل هذا التحديد أرضية مشتركة للفهم يتقاسمها مع القارئ. ومنجز الخطاب العقدي التراثي برمّته وفق هذا التفسير السياسي تجسيد لمواقف من السلطة الحاكمة موالاة أو معارضةً. فقد كانت المبادئ العلمية والأصول المعرفية عنده تصاغ بما يتوافق مع رغبة الحاكم ومصلحته أو نزعاته النفسية أو ما يناقضها إن كان الفقيه مخالفا لمؤسسة الحكم. فتخضع للمؤثرات المادية والخارجية أكثر من الحاجات الروحية المستمدة من جوهر الدّين.

ولتأثير السياسي تاريخ وفق المفكرين العرب المعاصرين. وحجتهم اتهام المعتزلة لمعاوية بكونه أول من قال بالجبر ليجعله عذرا لما يتخذ من الخيارات. ويمتدّ هذا التاريخ حتى العصور الراهنة لمّا اتهم المستشرقون أئمة الحديث والفقه بكونهم عملاء للسلطة الحاكمة يضعون الأحاديث والأحكام الفقهية بما يتوافق مع رغباتها. فمحمد عابد الجابري مثلا يصادر على أن عدم أخذ المعطى السياسي بعين الاعتبار في قراءة القضايا العقدية يجعل النتائج مضللة. أما حسن حنفي فيجعل التراث تراثين: "تراث السلطة وتراث المعارضة، تراث الدولة وتراث الشعب، الثقافة الرسمية والثقافة المضادة". والقانون نفسه يسري على مواقف نصر حامد أبو زيد وأدونيس ومحمد سعيد عشماوي وغيرهم. ويردّ هذا النفس "التسطيحي" إلى "الروح المادية الطاغية على المفكرين العرب من ذوي الاتجاه العلماني". ويجد وراء هذا النمط من التفسير قدحا غير مباشر في الحقائق العقدية التي يقررها أئمة السلف وتقويضا لصدقها.

3 ـ المضامين المعرفية والكلية التي تبطل التفسير السياسي 

لا ينكر سلطان بن عبد الرحمان العميري أن يكون للشأن السياسي دور في بعض الأحكام. فالصدام بين علي ومعاوية كان حدثا سياسيا بامتياز ولكنه خلّف تباينات عديدة بين المفكرين المسلمين. ويعرض أمثلة لتدخل منظومة الحكم لفرض مذاهب بعينها كما فعلت الدولة الفاطمية في مصر لمّا عملت على نشر المذهب الشيعي. ولكنه يميز بين الأسباب والمنطلقات. فتغليب موقف على آخر يعود أحيانا إلى أسباب سياسية. 

أما الخلفية المعرفية فلم تكن سياسية بقدر ما كانت روحية دينية. وعليه فإنه يجد أطروحة القائلين بالتفسير السياسي محض تخمينات، خالية من الأدلة ويقدّر أنّ أصحابه لم يفرقوا بين السبب السياسي في المسألة وبين المنطلق فيها. فجعلوا الأسباب السياسية دليلا على وجود المنطق السياسي. ويضرب مثلا لتوضيح تصوّره هو اختراع الشافعي لأصول الفقه. فقد عمد إلى ذلك لكفّ يد السلطان عن التدخل في التشريع. ولكن ذلك لا يعني أنّ الفقهاء تكلّموا في السياسة بطريقة مباشرة عبر أحكامهم الفقهية.

ويوسع نقده ليشمل التفسير المادي للتاريخ، الذي تقوم عليه الفلسفة الوضعية والفلسفة الماركسية أساسا ويتأثر به المفكرون العرب. فهو عنده ينطلق من مصادرات خاطئة مدارها على أن العقل الإنساني خال من كل معرفة قبل إدراك الحس. ووجه الخطإ عنده أنّ العقل ليس صفحة بيضاء تنقش المادة فيه ما تريد، وإنما هو مشتمل على معارف سابقة عن التجربة كالمبادئ الفطرية. 

ويجد هذا التفسير منعزلا في تصوره الأحادي يهمل بقية العوامل الفاعلة كالروحي والديني والأخلاقي والحال أن الظاهرة الإنسانية على غاية من التعقيد والتشابك. ولأنّ المفكرين العرب كانوا واقعين تحت تأثيره سطّح تفسيرهم السياسي للقضايا العقدية الفكر الإسلامي وتجاهل ما اشتمل عليه من ثورة علمية وفكرية. وينزه الباحث العلماء المسلمين عن الانخراط في افتعال الأحاديث ويجد في هذا الاتهام جهلا بالتاريخ الإسلامي وبسير الأئمة. ثم يعرض مجملا مما يراه أدلة على استقلال علوم الإسلام على السياسة يستمده من سيرهم كما هي مثبتة في كتب التراجم.

4 ـ نقد التفسير السياسي للمضامين التي اشتملت عليها عقيدة أهل السنة والجماعة

تسود هذا الفكر المعاصر قناعة بأن مفهوم أهل السنة والجماعة قد تم تسييسه واحتكاره احتكارا إيديولوجيا لا يستند إلى أساس ديني. فيذهب محمد أركون مثلا إلى أنّ "السنة استطاعوا أن يفرضوا وجهة نظرهم ويحتكروا فكرة الإسلام الصحيح لأنهم كانوا مدعومين من قبل السلطة (الأموية فالعباسية فالسلجوقية فالعثمانية)، لقد نجح السنة عن طريق القوة السياسية في فرض مذهبهم أو وجهة نظرهم.."

فيناقش أطروحاتهم ويقدم ما يراه حججا مقنعة من الوقائع المستمدة من التاريخ الإسلامي محيلا على أصول التشريع والمنطق الداخلي الذي يحكمها، متهما هؤلاء المفكرين ب"زعزعة ثبوت القرآن ومنهجية تفسيره" بإضفاء صبغة سياسية على جمعه وعلى منهجية تفسيره. فـ"هذا التوصيف الذي قام به أصحاب التفسير السياسي لمنهجية التفسير التي يقررها أهل السنة غير صحيح.. لأن أهل السنة "علماء السلف" بنوا منهجيتهم في التفسير على أسس علمية عقلية واضحة جدا وأقاموا الأدلة المقنعة المفصلة على ذلك. فقصر التفسير على القرآن ثم على السنة ثم على أقوال الصحابة لم يكن اعتباطيا وإنما لأن العقل والنقل يقتضيان ذلك، فتفسير القرآن بالقرآن أولى من غيره بدلالة العقل، لأن كل قائل أعلم بقوله من غيره. وهذه قضية بديهية".

 

يذهب محمد أركون مثلا إلى أنّ "السنة استطاعوا أن يفرضوا وجهة نظرهم ويحتكروا فكرة الإسلام الصحيح لأنهم كانوا مدعومين من قبل السلطة (الأموية فالعباسية فالسلجوقية فالعثمانية)، لقد نجح السنة عن طريق القوة السياسية في فرض مذهبهم أو وجهة نظرهم.."

 



ثم يعرض وجوها من تفسيرهم المسيّس لقضايا كثيرة ظهرت على مدار التاريخ الإسلامي كالقول بخلق القرآن وما خلّف من محنة أو القول بالقدرية. فوجه التسييس في موقفهم من معبد الجهني،  أول من قال بالقدر قتله الحجاج بسبب دعوته إلى القول بالقدر وإنكار علم الله السابق بالأشياء، في ردّ قتله  إلى أسباب سياسية أساسا باعتباره كان يحرض الناس على بني أمية وإلى مكيدة من الأوزاغي عميلهم. والأمر نفسه ينسحب على موقفهم من مقتل غيلان الدمشقي الذي تبنى القول بالقدر بدوره متأثرا بمعبد الجهني. والحقّ أن عمر بن عبد العزيز قد ناظره واستتابه ثم لما مات عمر رجع إلى ما كان يدعو إليه. فناظره الأوزاغي وحين تمسك ببدعته أفتى بقتله. ويتبين خطأ التحليل السياسي لأقوال القدرية بأمور يعددها الباحث مدارها على أن ما أتاه اتباع هذه المذهب بدعة غريبة عن المجتمع الإسلامي تتضمن وصف الله بالنقص. ويتهم هؤلاء المفكرين بتزوير الوقائع فـ"ـما ذكروه غير صحيح، وهو مخالف للحقائق التاريخية والواقعية".
 
5 ـ التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر العربي المعاصر، وبعد؟

يتضمن هذا الكتاب أطروحتين متقابلتين، مدار الأولى القول بأنّ الفكر العربي المعاصر يرى أنّ التراث الإسلامي برمّته غير صالح قد فعلت فيه السياسة ووجهته. ومدار الثانية على أن هذا الفكر بدا عاجزا عن تفكيك الخطاب التراثي الإسلامي لاستناده إلى المناهج الحديثة. ويكشف عن باحث شديد الاندفاع والحماسة.
 
ـ يتخذ المواقف الصارمة الرافضة لمنجز المفكرين المعاصرين ولكنه يبقى محكوما بخلفيته السلفية. فيرى كل إعمال للعقل تعدٍ على الدين. ويجد عسرا في فهم خلفيات الفكر العربي المعاصر التي تصادر على أنّ الأحكام الشرعية ظلت دائما نتيجة للتفاعل بين المقدس من ناحية والبشري المستمد من السياق من جهة ثانية ولما كان السياق متغيّرا فإن هذه الأحكام يجب أن تتغير بدورها محافظة على مقاصد الشريعة آخذة بعين الاعتبار المقدّس الثابت والشرط الاقتصادي والاجتماعي المتحوّل.
 
ـ رغم النوايا الطيبة التي يعلنها الباحث في التمهيد حين يقول "ولا يصحّ أن يفهم من هذا الكلام أننا ضد فحص التراث وتفكيك منظوماته المعرفية، أو إننا ضد إعمال العقل في آلياته ومنتجاته العلمية ولكننا نعارض وبشدة المخالفة للمنهجية العلمية وعدم الالتزام بالأصول البحثية الصحيحة" ويسقط هو نفسه في التعميم في إصدار الأحكام. ففي أثر لا يتجاوز 234 صفحة يسفه كل الفكر العربي المعاصر في خطاب انفعالي يفتقر إلى الاستدلال ويتعامل مع رموز الفكر العربي تعاملا انتقائيا. فلا يأخذ عنهم ولا يعتبرهم حجة إلا حين ينقدون منجز الفكر العربي ويشيرون إلى قصوره في فهم التراث. ويبتسر أقوالهم ويخرجها عن سياق التأليف ليطوعها لمواقفه الانتقادية.


أخبار ذات صلة

أخبار ذات صلة

اقرأ ايضا

اقرأ ايضا

}